محمد بن جرير الطبري
547
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
له كن فيكون ) ، أن يقال : هو عام في كل ما قضاه الله وبرأه ، لأن ظاهر ذلك ظاهر عموم ، وغير جائزة إحالة الظاهر إلى الباطن من التأويل بغير برهان لما قد بينا في كتابنا : " كتاب البيان عن أصول الأحكام " . وإذ كان ذلك كذلك ، فأمر الله جل وعز لشيء إذا أراد تكوينه موجودا بقوله : ( كن ) في حال إرادته إياه مكوَّنا ، لا يتقدم وجود الذي أراد إيجاده وتكوينه ، ( 1 ) إرادته إياه ، ولا أمره بالكون والوجود ، ولا يتأخر عنه . ( 2 ) فغير جائز أن يكون الشيء مأمورا بالوجود مرادا كذلك إلا وهو موجود ، ولا أن يكون موجودا إلا وهو مأمور بالوجود مراد كذلك . ونظير قوله : ( وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ) قوله : ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ ) [ سورة الروم : 25 ] بأن خروج القوم من قبورهم لا يتقدم دعاء الله ، ولا يتأخر عنه . * * * ويسألُ من زعم أن قوله : ( وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ) خاص في التأويل اعتلالا بأن أمر غير الموجود غير جائز ، ( 3 ) عن دعوة أهل القبور قبل خروجهم من قبورهم ، أم بعده ؟ أم هي في خاص من الخلق ؟ فلن يقول في ذلك قولا إلا أُلزم في الآخر مثله . ويسألُ الذين زعموا أن معنى قوله جل ثناؤه : ( فإنما يقول له كن فيكون ) ، نظير قول القائل : " قال فلان برأسه أو بيده " ، إذا حركه وأومأ ، ونظير قول الشاعر : ( 4 )
--> ( 1 ) في المطبوعة : " وجوده " الذي أراد إيجاده " وزيادة الهاء في " وجوده " لامكان لها . ( 2 ) يقول : إن وجود الشيء ، لا يتقدم إرادة الله وأمره ، ولا يتأخر عنهما . ( 3 ) يقول : " يسأل من زعم . . عن دعوة أهل القبور " . ( 4 ) هو المثقب العبدي .